أبي منصور الماتريدي

341

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

من الباطن « 1 » ؛ إلا بدليل على ما صرفت أشياء كثيرة عن حقائقها بالعرف ؛ من نحو : الإيمان ، وغيرها « 2 » . وقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يحتمل وجوها : يحتمل : أعمالهم التي فعلوا ؛ قبل أن يبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فلما بعث كفروا به ، فبطلت تلك الأعمال . ويحتمل : ما كان لهم من الأعمال : من صلة المحارم ، والقربات « 3 » ، والصدقات ، فبطلت لما لا قوام لها إلا بالإيمان ، فلما لم يأتوا به - بطلت . وقوله : فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ : أمّا في الآخرة : فثوابها ، وأمّا في الدنيا : فحمدها وثناؤها « 4 » . ويحتمل في الدنيا : ثواب الدنيا ؛ كقوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [ النساء : 134 ] ، واللّه أعلم . قال الشيخ - رحمه اللّه - في قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ : فالآيات أعلام وحجج ، وهنّ « 5 » أنواع : منها حسّيات ، نحو : الخلائق ؛ في الدلالة على وحدانية اللّه تعالى . والخارجة منها عن احتمال وسع البشر يظهر عند أداء الرسل الرسالة ، يشهد على أن الذي أرسلهم هو الذي تولاها ؛ ليعلم بها محجة ويوضح بها رسالتهم . ومنها : السمعيات : وهي التي جاءت بها الرسل من الأنباء ؛ عما لا سبيل إلى الوقوف عليها ، إلا بالتعلم بلا تقدم تعليم ، أو ما لا يعلم حقيقة ذلك إلا اللّه ؛ ليعلم أن اللّه هو الذي

--> - السماع من غير تأمل . ينظر : لسان العرب ( 4 / 2767 ) ( ظهر ) ، ميزان الأصول للسمرقندي ( 1 / 505 ) . ( 1 ) جمع بواطن والباطن : ما احتيج إلى تفسيره . انظر : لسان العرب ( 1 / 304 ) ( بطن ) . ( 2 ) تنقسم الحقيقة الشرعية إلى أقسام أربعة : الأول : أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة ، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى . الثاني : أن يكونا غير معلومين لهم . الثالث : أن يكون اللفظ معلوما لهم ، والمعنى غير معلوم . الرابع : عكسه والمنقولة الشرعية أخص من الحقيقة الشرعية ، ثم من المنقولة ما نقل إلى الدين وأصوله كالإيمان والإسلام والكفر والفسق وتخص بالدينية ، وما نقل إلى فروعه كالصلاة والزكاة وتختص بالفرعية ، وقال الصفي الهندي : وهذه الأقسام الأربعة الأشبه وقوعها . ينظر : البحر المحيط للزركشي ( 2 / 158 ، 159 ) . ( 3 ) في ب : والقرابات . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي ( 7 / 187 ) ، تفسير البغوي ( 1 / 288 ) . ( 5 ) في ب : وهي .